العراق لا ينهض بالكراهية ولا بتبادل الاتهامات

هذا ما كتبه الناشط السياسي ” رسول العذاري”.
ليس من الإنصاف أن نُعلّق كل ما وصل إليه العراق من تدهور سياسي واجتماعي وثقافي وهويّاتي واقتصادي على شماعة إيران وحدها. نعم، قد يكون لإيران دور وتأثير، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن القول إنها السبب الرئيسي والمباشر لكل ما حدث يجافي الحقيقة ويختزل المشكلة بشكل سطحي.
المسؤول الأول والأخير عمّا وصلنا إليه هو نحن، والدولة العراقية بكل أنظمتها وطبقاتها السياسية منذ عقود. فمنذ حرب الثمانينيات، ثم الحصار الطويل وحروب الاستنزاف، والعراق يعيش نزيفاً مستمراً في موارده واقتصاده وتعليمه وثقافته، بينما كانت دول العالم تتقدم وتنهض. ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك تراجع علمي وثقافي كبير، وأن تتسع الهوة بين العراق والعالم.
ثم جاء عام 2003، واستبشر العراقيون خيراً بعهد جديد، لكن للأسف تسلّمت السلطة طبقة سياسية بلا مشروع حقيقي، يغلب عليها الفساد وضعف المسؤولية وقِصر النظر. فبدلاً من تقليص الفجوة الحضارية، بقي العراق يدور في أزماته، وفي أحيان كثيرة ازدادت الهوة اتساعاً.
وحين ترضى الحكومات والأحزاب أن تكون قراراتها مرهونة برضا هذه الدولة أو تلك، فإن اللوم لا يقع أولاً على الدول الخارجية، بل على القيادات التي قبلت بالتبعية والتنازل عن القرار الوطني.
والمشكلة الأكبر أيضاً هي ثقافة الثنائيات التي مزّقت الوعي الوطني: إن لم تكن مع إيران فأنت مع أمريكا، وإن انتقدت السلطة فأنت تشتاق للدكتاتورية، وإن رفضت سلاح الدولة العميقة فأنت عميل أو إسرائيلي! هذه العقلية هي التي قتلت الحس الوطني الحقيقي، وحوّلت كل نقد إلى تخوين.
أنا ضد أي تدخل خارجي، سواء كان إيرانياً أم أمريكياً، لأنني عراقي أولاً. وأنا ضد الفساد وضعف الدولة والتبعية، كما كنت ضد الدكتاتورية البعثية الصدامية، وضد الميليشيات والسلاح المنفلت والدولة العميقة. وفي المقابل، أنا مع بناء دولة قوية وجيش وطني محترف يحمي العراق وسيادته من أي عدوان أو هيمنة خارجية.
العراق لا ينهض بالكراهية ولا بتبادل الاتهامات، بل بالنقد الصادق، وبناء الإنسان، واستعادة الهوية الوطنية التي ضاعت بين الولاءات والصراعات.


