كيف يُراد للناس أن تصدق أن من فشل في أبسط امتحان أخلاقي وإنساني سينجح في إدارة بلد أنهكته الأزمات والفساد ؟

كتابات : الصُحفي والكاتب المهندس “رسول عبد عبود العذاري”
مسكين يا بلدي : سألني أكثر من صديق، وفي أكثر من مجلس، عن توقعاتي لحكومة الزيدي، وهل أعتقد أن الاقتصاد العراقي قد يتحسن في عهده باعتباره رجل أعمال ناجحاً. وكنت غالباً أكتفي بابتسامة ساخرة، أو بصمت يحمل من المعاني أكثر مما تقوله الكلمات.
الحقيقة أنني كنت أستغرب أمرين؛ الأول هو السؤال نفسه، والثاني حجم الاستخفاف الذي وصلت إليه أحزاب السلطة، وخصوصاً جماعات الإطار، بعقول الناس ومشاعرهم.
أما استغرابي من السؤال، فلأن السيد علي الزيدي معروف بأنه من كبار موردي مفردات البطاقة التموينية؛ كالطحين، والرز، والزيت، وغيرها من المواد التي يُفترض أن تكون مخصصة للطبقات الفقيرة وما دون المتوسطة. والجميع يعلم أن هذه المفردات، في كثير من الأحيان، تكون من نوعيات رديئة لا تكاد تصلح للاستهلاك البشري، حتى إن المواطن يضطر إلى بيعها بأبخس الأثمان بسبب سوء جودتها، رغم أن الدولة تدفع أموالاً تكفي لجلب مواد أفضل بكثير.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: كيف يمكن لشخص لم يكترث بجودة غذاء ملايين العراقيين، وكان الربح عنده أهم من صحة الناس وكرامتهم، أن يتحول فجأة إلى رجل دولة حريص على الشعب ومصالحه؟ وكيف يُراد للناس أن تصدق أن من فشل في أبسط امتحان أخلاقي وإنساني سينجح في إدارة بلد أنهكته الأزمات والفساد؟
أما الأمر الثاني، فهو استخفاف السلطة بمشاعر العراقيين. فبدلاً من محاسبة من ارتبط اسمه بملفات أثارت غضب الناس ومعاناتهم، يجري تقديمه بوصفه “المنقذ” أو “رجل المرحلة”، وكأن ذاكرة العراقيين قصيرة إلى هذا الحد.
المشكلة ليست في اسم شخص بعينه فقط، بل في عقلية سياسية ما زالت ترى المناصب غنائم، وترى الشعب مجرد جمهور يُطلب منه التصفيق في كل مرة، مهما تكررت الوجوه وتبدلت الشعارات.
مسكين يا بلدي…
بلد يمتلك كل هذا التاريخ والثروات والطاقات، لكنه ما زال يُدار بعقلية الاستهلاك السياسي، لا بعقلية بناء الدولة.


